.
مع كل مرحلة جديدة من مراحل بناء الجمهورية الجديدة، يطرح سؤال مهم نفسه بقوة: هل تحتاج مصر إلى كتابة دستور جديد بالكامل يتماشى مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أم أن الحل يكمن في إجراء مراجعة شاملة لبعض المواد الدستورية التي أثبت التطبيق العملي حاجتها إلى التطوير؟
من وجهة نظري، لا أرى ضرورة لكتابة دستور جديد بالكامل في الوقت الحالي، فدستور 2014 وما لحقه من تعديلات عام 2019 وضع إطارًا عامًا مستقرًا للدولة المصرية. لكنني أرى أن الوقت قد حان لمراجعة عدد من المواد الدستورية المهمة بعد سنوات من التطبيق العملي، خاصة المواد المتعلقة بمجلس الشيوخ والإدارة المحلية والتمثيل النيابي.
أولًا: مجلس الشيوخ وصلاحياته
نصت المادة (248) من الدستور على أن:
“يختص مجلس الشيوخ بدراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوسيع دعائم الديمقراطية، ودعم السلام الاجتماعي، والمقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا والحقوق والحريات والواجبات العامة، وتعميق النظام الديمقراطي، وتوسيع مجالاته.”
كما نصت المادة ذاتها على أخذ رأيه في:
– الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.
– مشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
– معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات المتعلقة بحقوق السيادة.
– مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب.
ورغم أهمية هذه الاختصاصات، فإن التجربة العملية تستدعي إعادة تقييم دور المجلس وصلاحياته بما يحقق مزيدًا من الفاعلية والوضوح ويعزز الاستفادة من الخبرات الوطنية الموجودة بداخله.
ثانيًا: نسبة العمال والفلاحين في المجالس المحلية
تنص المادة (180) من الدستور على أن:
“يُخصص ربع عدد المقاعد للشباب دون سن خمس وثلاثين سنة، وربع العدد للمرأة، على ألا تقل نسبة تمثيل العمال والفلاحين عن خمسين في المائة من إجمالي عدد المقاعد.”
هذه المادة وضعت في ظروف تاريخية معينة، لكن الواقع الحالي اختلف كثيرًا، وأصبح من الضروري إعادة النظر في نسبة الـ50% المخصصة للعمال والفلاحين داخل الإدارة المحلية بما يحقق التمثيل العادل لجميع فئات المجتمع، ويتيح اختيار الكفاءات والخبرات القادرة على إدارة المحليات بكفاءة أعلى، مع الحفاظ على التمثيل المناسب للعمال والفلاحين دون التقيد بنسبة قد لا تتوافق مع متطلبات المرحلة الحالية.
ثالثًا: نسبة المرأة في مجلس النواب
تنص المادة (102) من الدستور على أن:
“يجب أن يخصص للمرأة ما لا يقل عن ربع إجمالي عدد المقاعد.”
وقد ساهم هذا النص في تعزيز مشاركة المرأة سياسيًا خلال السنوات الماضية بصورة واضحة ومؤثرة.
لكن هناك من يرى أن التجربة بعد سنوات من التطبيق تستحق التقييم الموضوعي، وأنه يمكن مستقبلاً دراسة تخفيض النسبة الدستورية المقررة إلى نسبة أقل، مثل 10%، مع ترك المجال للمنافسة الانتخابية الحرة لزيادة التمثيل النسائي وفقًا لقدرة المرشحات على الفوز المباشر في الدوائر الانتخابية.
الدساتير ليست نصوصًا جامدة، بل وثائق حية تتطور مع تطور المجتمعات والدول. لذلك فإنني أرى أن مصر ليست في حاجة إلى دستور جديد بالكامل، وإنما إلى مراجعة دستورية شاملة ومدروسة لبعض المواد التي أثبت التطبيق العملي إمكانية تطويرها بما يتناسب مع متطلبات الجمهورية الجديدة، وبما يحقق التوازن بين الاستقرار السياسي وكفاءة مؤسسات الدولة وتمثيل جميع فئات المجتمع بصورة عادلة وعصرية.
فالحفاظ على استقرار الدولة لا يتعارض مع تطوير النصوص الدستورية، بل إن المراجعة الدورية الرشيدة هي أحد أهم أدوات بناء الدول الحديثة.



