في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر ودول كثيرة أخرى، برز مصطلح “تعويم العملة” كإجراء اقتصادي يهدف إلى تحرير سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية. إلا أن هذا الإجراء، رغم تأثيراته الكبيرة على الاقتصاد الكلي، قد لا يكون الحل الأمثل لمعالجة الأزمات الاقتصادية، خاصة في مجتمع يعتمد بشكل كبير على الاستيراد ويعاني من تراجع القوة الشرائية للمواطنين.
**مفهوم تعويم السلع والخدمات**
تعويم السلع والخدمات يعني تحرير الأسواق المحلية من القيود الحكومية المفرطة، مما يسمح بتحديد الأسعار بناءً على قوى العرض والطلب. بدلًا من فرض أسعار محددة أو دعم حكومي يؤدي إلى استنزاف الموارد، يتم السماح للسلع والخدمات بالتكيف مع ديناميكيات السوق الحر.
**لماذا تعويم السلع والخدمات؟**
1. **تحقيق التوازن الاقتصادي**:
يساعد تعويم السلع والخدمات على تقليل التشوهات السوقية الناتجة عن التدخل الحكومي، مما يؤدي إلى تخصيص أكثر كفاءة للموارد.
2. **تشجيع الإنتاج المحلي**:
عندما يتم تحرير الأسعار، يصبح المنتجون أكثر تحفيزًا لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة لتلبية الطلب الحقيقي.
3. **تقليل الأعباء على الحكومة**:
بدلًا من تخصيص ميزانيات ضخمة لدعم السلع أو التحكم في الأسعار، يمكن توجيه هذه الموارد لتحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية.
4. **مرونة أكبر للأسواق**:
في حال حدوث صدمات خارجية، تكون الأسواق أكثر قدرة على التكيف بسرعة من خلال تعديل الأسعار بدلاً من الاعتماد على تدخلات حكومية بطيئة.
**التعويم وتخفيف الضغط على العملة المحلية**
عندما تتحرر السلع والخدمات، يقل الطلب على العملة الأجنبية لتمويل الواردات المدعومة أو سداد الفجوات الناتجة عن السياسات غير المتوازنة. وبدلًا من ذلك، يصبح التركيز على تحسين البيئة الإنتاجية المحلية، مما يُخفف الضغط على العملة المحلية ويُقلل الحاجة إلى تعويمها بشكل كامل.
**التحديات المحتملة**
رغم الفوائد المتوقعة من تعويم السلع والخدمات، إلا أن هناك تحديات يجب التعامل معها:
1. **ارتفاع الأسعار على المدى القصير**:
قد يؤدي التعويم إلى زيادة مؤقتة في الأسعار، مما يضعف القوة الشرائية للمواطنين، خاصة محدودي الدخل.
2. **غياب الآليات الرقابية**:
في ظل ضعف الرقابة، قد يستغل بعض التجار الفرصة لرفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
3. **ضرورة إصلاحات موازية**:
يحتاج تعويم السلع والخدمات إلى إصلاحات في قطاعات أخرى، مثل القضاء على الاحتكار وتحسين البنية التحتية وتعزيز الشفافية.
**النموذج البديل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي**
بدلًا من التركيز على قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، يجب أن يكون الهدف هو تحقيق الاستقرار الاقتصادي من خلال:
– تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي.
– دعم الصناعات الاستراتيجية بدلًا من دعم السلع.
– تحسين الخدمات العامة مثل التعليم والصحة لتخفيف العبء على المواطنين.
تعويم السلع والخدمات هو خيار استراتيجي يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة. ورغم أن هذا التوجه يتطلب تخطيطًا دقيقًا وتدرجًا في التنفيذ، إلا أنه يوفر فرصة حقيقية لتحقيق استقرار اقتصادي بعيد المدى، يُغني عن اللجوء المتكرر لتعويم الجنيه وما يترتب عليه من آثار سلبية. لذا، فإن الأولوية يجب أن تكون لتحرير الأسواق بطريقة عادلة، مع وضع سياسات تحمي الفئات الأكثر ضعفًا وتدعم النمو الاقتصادي الشامل.


